حكاية العاشق والفرس والعبد الخائڼ

موقع أيام نيوز

حكاية العاشق والفَرَس والعبد الخائڼ

قال بعض الأدباء: رأيتُ رجلًا من بني عقيل، وعلى ظهره أثر كأثر الحجامة، فسألته عن سببه، فقال:

يا هذا، إنِّي كنتُ قد هويتُ ابنةَ عمٍّ لي، وخطبتها، فقال أهلها: لا نزوّجك إلا إذا جعلت صداقها الشبكة، وهي فرسٌ سابقةٌ عظيمة الشأن، كانت لأحد رجال بني بكر بن كلاب. فرضيتُ وتزوّجتها على هذا الشرط، ثم خرجتُ أحتال في الحصول على الفرس، إذ لا سبيل لي إلى الدخول على زوجتي إلا بعد الوفاء بالصداق.

فجئتُ الحيّ الذي فيه الفرس، متنكّرًا في صورة جزار، ومكثتُ أتقرّب إليهم وأخالطهم، حتى علمتُ مكان الفرس، ومبيت الرجل صاحبها. وكانت الفرس تُربط في خباء له، ومعها مهرها الصغيرة.

تتبّعتُ أخبارهم حتى تسنّى لي الدخول إلى البيت، فاختبأتُ فيه، تحت صوفٍ مفروش كانت النساء قد نفشنه لغزله.

وفي الليل، عاد صاحب البيت، وقد جهّزت له امرأته العشاء، فجلسا يأكلان. وقد كانت الظلمة قد اشتدّت ولا مصباح لهم، وكنتُ جائعًا، فمددتُ يدي إلى القصعة وأكلتُ معهم.

أحسّ الرجل بيدي، فاستغرب وقبض عليها، فأسرعتُ وقبضتُ بيدي الأخرى على يد امرأته، فقالت المرأة لزوجها: "مالك وتمسك يدي؟"، فظنّ أنه هو الممسك بيدها، فترك يدي، فتركتُ أنا يدها.

ثم شعرت المرأة بيدي فقبضت عليها، فأمسكتُ أنا بيد الرجل، فقال لها: "مالك؟"، فظنّها هي القابضة على يده، فتركها، فتركتُه.

فلما انتهوا من الطعام، استلقى الرجل ونام، وبقيتُ أراقبهم. كانت الفرس مربوطة في جانب البيت، والمهر معها، والمفتاح الذي يُحلّ به القيد تحت رأس المرأة.

فجأة، جاء عبدٌ أسود، ورمى بحصاة نحو الخباء، فانتبهت المرأة وخرجت إليه، وتركت المفتاح في مكانها. ولما نظرتُ من خلال ستارة الخباء

فانتهزتُ الفرصة، ودببتُ نحو المفتاح، وأخذتُه، وفتحتُ القيد، وكنتُ قد أعددتُ لجامًا من الشعر، فأدخلته في فم الفرس وركبتُها، وانطلقتُ بها خارجًا من الخباء.

فلما أحسّت المرأة بفقدان الفرس، تركت العبد وعادت إلى الخباء تصيح، فاستيقظ القوم، وثاروا في طلبي، وركبوا خلفي، فجدّدتُ السير على الفرس، وهم ورائي.

ومع طلوع الشمس، لم يبقَ خلفي إلا فارسٌ واحد، يحمل رمحًا، وقد قاربني، فكان يطعني رمحًا رمحًا، فلا يبلغ إلا ما تراه من أثر على ظهري، إذ كانت فرسه لا تلحقني، ولا فرسي تبتعد كثيرًا عنه.

حتى بلغنا نهرًا، فصحتُ بفرسي، فوثبت بي فعبرته، وصاح الفارس بفرسه، فلم تثب، فعلمتُ أنه لا يقدر على اللحاق بي.

فنزلتُ عن فرسي أريح نفسي وأريحها، فصاح بي الرجل، فقلت: "ما لك؟"، فقال: "يا هذا، أنا صاحب الفرس التي معك، وهذه مهرتها الصغيرة، وقد أخذتهما، فاحفظهما، فإنّي والله ما طلبتُ بها شيئًا إلا أدركته، وكانت تُسمّى الشبكة، لشدة تمكّنها من كل ما تُلاحقه".

فقلت له: "ما دمتَ قد صدقتني، فاسمع صدقي، فلستُ بكذاب". ثم قصصتُ عليه كل ما جرى ليلتي تلك، من أمري مع المرأة والعبد وخُطّتي لسړقة الفرس.

فأطرق الرجل طويلًا، ثم رفع رأسه وقال:

"لا جزاك الله عن طارقٍ خيرًا! خذ فرسك، فوالله لقد قتلتُ عبدي، وطلّقتُ زوجتي".

قصة طريفة تحمل من الحيلة ما يدهش، ومن الغدر ما يُبكي، ومن حسن الفراسة ما يُعلِّم.

تم نسخ الرابط