نقود في الحذاء

موقع أيام نيوز

نقود في الحذاء... ودموع على التراب
في صباح ندي من صباحات الخريف حيث كانت نسمات الهواء تنساب بين سنابل القمح كأنها تهمس بالأمل كان الشيخ مهيار بن رضوان يسير على مهل بصحبة تلميذه بدر الدين على أطراف قرية تدعى صفوان العتيقة تلك القرية التي تتناثر فيها الحقول كأنها بسط خضراء مفروشة للصلاة.
كان الشيخ رجلا وقورا طويل القامة كثيف الحاجبين يلبس عباءة من صوف ثقيل بلون الأرض يمشي بخشوع كأن كل خطوة يخطوها تحمل عبئ العلم. أما بدر الدين فكان شابا في ريعان شبابه يرافق أستاذه في رحلاته اليومية طلبا للعلم والحكمة.
وبينما هما يمشيان أبصر بدر حذاء قديما ممزقا على حافة حقل من الذرة وبجانبه عباءة خشنة مطوية بعناية وكان واضحا أن صاحبهما أحد الفلاحين الذين يعملون منذ الفجر في الحقل القريب.
توقف بدر الدين فجأة وقال ضاحكا يا شيخي ألا ترى أن الفرصة سانحة لمزحة بريئة ما رأيك لو أخفينا الحذاء خلف الشجيرات ونراقب من هنا ردة فعل ذلك العامل حين لا يجده أظنه سيضرب كفا بكف ونتعلم نحن شيئا من الحيرة!
ابتسم الشيخ مهيار وقد بدت الحكمة ترتسم على قسمات وجهه ثم قال بهدوء يا بني إن تسلية النفس لا ينبغي أن تكون على حساب قلب منكسر أو رزق معډوم فإن الضحك الذي يبنى على ۏجع لا يلبث أن ينقلب ۏجعا في القلب ذاته.
صمت بدر قليلا وقد خجل لكن الشيخ أشار إليه قائلا ومع ذلك إن أردت أن ترى أثر الفعل في الناس فدعني أطرح عليك اقتراحا... أنت تملك شيئا من المال فما رأيك أن نضع قطعة ذهبية في كل فردة من الحذاء ثم نختبئ خلف هذه السنديانة ونراقب ما يصنع الرجل حين يعود
انبسط وجه بدر من الدهشة والإعجاب وقال فكرة لم تخطر لي يا شيخي والله إنها لأجمل من المزاح... دعنا نفعلها!
أخرج بدر الدين دينارين ذهبيين كان قد احتفظ بهما منذ زمن ووضع أحدهما في كل فردة من الحذاء المتآكل ثم عاد مسرعا واختبأ مع الشيخ خلف الشجرة المورقة.
مضت لحظات ثقيلة حتى ظهر رجل في منتصف العمر قد سودت الشمس جبهته وبدا عليه أثر الجهد الطويل يلبس سروالا بسيطا مرقعا عند الركبة ويجر قدميه بتعب ظاهر.
اقترب العامل من مكان الحذاء ثم جلس على صخرة بجواره وأخذ ينفض الغبار عن قدميه وهم أن ينتعل الحذاء فإذا بالدينار يسقط من داخله على التراب.

 

 

تم نسخ الرابط