عبد الجبار ورغيف الخبز
عنوان القصة: رغيفٌ منقوشٌ بأقدام الدجاج
في قريةٍ صغيرةٍ تقع بين سفوح الجبال وتغفو على ضفاف جدولٍ رقراق، عاش رجلٌ يُدعى عبدالجبار، فلاحٌ بسيطٌ لا يملك من الدنيا سوى كوخٍ طينيٍ قديم، وساحةٍ صغيرةٍ يربّي فيها دجاجاتٍ لا تُحصى، كانت تسرح وتمرح في أرجاء البيت كأنها جزءٌ من العائلة.
تزوج عبدالجبار في شبابه من امرأة تُدعى زُهرة، امرأةٌ اشتهرت في القرية بكسلها الذي لا يُضاهى، حتى إنّ النسوة كنّ
يتندّرن عليها في المجالس ويقلن: "لو وُضعت زُهرة في سباقٍ مع ظلّها، لسبقها ظلّها مرتين!" كانت زُهرة لا تهتم بالنظافة ولا تُبالي بالتفاصيل، تعجن الخبز وتتركه مكشوفًا في فناء الدار، حيث تتسلل إليه الدجاجات وتدوسه بأقدامها، فتترك عليه آثارًا كأنها نقوشٌ غريبة، ثم تعود زُهرة بعد ساعات، تأخذ العجينة كما هي، وتضعها على التنور دون أن تُزيل عنها شيئًا.
وكان عبدالجبار يأكل ذلك الخبز بشهيةٍ غريبة، يمدح
طعمه ويقول لجيرانه: "خبز زُهرة لا يُشبه خبز أحد، فيه نقشٌ يُبهج القلب!" وكان يظن أن تلك النقوش من صنع يديها، وأنها تُزيّن له الرغيف كما تُزيّن الأم ثوب ابنها في العيد.
مرت سنواتٌ على هذا الحال، حتى جاء يومٌ مرضت فيه زُهرة مرضًا شديدًا، لم يُمهلها طويلًا، فماټت ودفنت في مقپرة القرية، ووقف عبدالجبار على قپرها دامع العينين، يردد: "رحمك الله يا منقشة الرغيف، يا زينة الدار."
وبعد أشهرٍ من الوحدة،
أشار عليه إمام المسجد أن يتزوج من جديد، فالرجل لا يُترك وحده في بيتٍ فيه دجاجٌ وذكريات، فتزوج من امرأةٍ تُدعى فاطنة، كانت من بيتٍ معروفٍ بالنظام والنظافة، نشيطةٌ لا تهدأ، تُنظف وتطبخ وتُرتب وتُحسن كل شيءٍ تفعله.
كانت فاطنة حين تعجن الخبز، تُغطيه بقطعة قماشٍ نظيفة، وتضعه في مكانٍ مرتفعٍ بعيدٍ عن الدجاج، تُراقبه حتى يختمر، ثم تُعيد عجنه وتفرده وتُزيّنه بثقوبٍ صغيرةٍ تصنعها بأطراف أصابعها، وتضعه على التنور بحرصٍ شديد.
لكن عبدالجبار كان يأكل الخبز بصمت، ثم يضع اللقمة جانبًا ويقول: "منذ أن ماټت المرحومة زُهرة، لم أذق رغيفًا منقوشًا!" فترد عليه فاطنة: "بل هذا الرغيف منقوشٌ بأطراف أناملي!" فيقول: "لا لا، ليس كخبز زُهرة، كان له طعمٌ آخر، ونقشٌ آخر، كأنّه يحمل روحًا!"
وذات صباحٍ، كانت فاطنة تُنظف الساحة، فنسيت صينية العجينة مكشوفة، فتسللت إليها الدجاجات، ودستها بأقدامها، وتركت عليها آثارًا واضحة، فلما رأتها فاطنة، توقفت،