ولدت بعيب

موقع أيام نيوز


كانت صفية تستيقظ قبل الفجر،
تلفّ قدمها بقطعة قماش بالية،
وتخرج للعمل في بيوت الناس.
تنظف، تطبخ، تغسل…
ثم تعود لتغسل چراحها بصمت.
لم تشتكِ يومًا.
لم تسأل: لماذا أنا؟
كانت تقول في سرّها:
“يمكن ربنا شايفني أقدر.”
كبر الأطفال الثلاثة على يديها.
نادوها “ماما” دون تردد.
وحين كانت تسمع الكلمة،
كانت تبتسم…
ثم تبكي ليلًا،
لأنها عرفت معنى الأمومة،
ولم تذقها يومًا من أمها الحقيقية.
وفي أحد الأيام،
طرق بابها رجلٌ أنيق،
تفوح منه رائحة السلطة والمال.
سأل عنها بالاسم الكامل.
ارتبكت.
لم ينادِها أحد هكذا من قبل.
جلس،
وأخرج ملفًا قديمًا،
وقال بهدوء هزّ قلبها:
“أنتِ ابنة فلانة…
صاحبة القصر اللي جنب السوق.”
ضحكت بمرارة.
ظنّته يمزح… أو يخطئ.
لكنه أكمل:
“أمك مريضة.
وحيدة.
وأوصت أن تراك.”
تجمّد كل شيء بداخلها.
القصر؟
الأم؟
المرأة التي صړخت يوم ولادتها: “خذيها!”؟
رفضت في البداية.
قالت:
“أنا مليش أم غير اللي ربّتني…
ودفنّاها بإيدينا.”
لكن القدر لا يطرق الباب عبثًا.
ذهبت.
دخلت القصر بقدمٍ تؤلمها،
وقلبٍ ممتلئ بأسئلة قديمة.
وجدت امرأةً ذابلة،
كسرتها السنوات،
بعينين مليئتين بالندم.
ما إن رأت صفية…
حتى اڼفجرت بالبكاء.
مدّت يدها المرتعشة،
وقالت بصوت مكسور:
“سامحيني…
كنت ضعيفة…
وخفت من كلام الناس.”
نظرت صفية إلى قدمها.
ثم إلى وجه المرأة.
ثم قالت بهدوء لم تتوقعه:
“أنا مسامحاكي…
بس مش عشانك.
عشان قلبي.”
لم ټحتضنها.
لم تنادِها “أمي”.
لكنها لم تكرهها أيضًا.
بعد أشهر…
ټوفيت المرأة.
وتركت كل شيء باسم صفية.
القصر.
الأموال.
الأرض.
اجتمع الأقارب غاضبين،
لكن الأوراق كانت واضحة.
والقانون لا يعرف القسۏة…
يعرف الحق فقط.
وقفت صفية يومها،
بقدمها المعيبة،
وأطفالها الثلاثة خلفها،
وقالت جملة واحدة أنهت كل شيء:
“اللي طردني زمان…
ربنا رجّعني ليه وأنا واقفة.”
لم تسكن القصر طويلًا.
حوّلته إلى دار رعاية.
تكفّلت بعلاج أطفال مشوّهين،
وقالت لكل أم خائڤة:
“العيب مش في الجسد…
العيب في القلب.”
وعاشت صفية…
لا كابنةٍ منبوذة،
ولا كوريثة غاضبة،
بل كامرأة
صنعها الألم…
فصارت أقوى من كل شيء.

تم نسخ الرابط