قصة تخلت عني امي

موقع أيام نيوز


بإرادتها. لم تكن تعلم أن أبي قام بخطوة حاسمة منذ سنوات جمع كل الأدلة تسجيلات المكالمات شهادات العاملين في المطار وحتى تقارير الأطباء وحول قصتي إلى ملف قانوني كامل. عندما قدمه للمحكمة لم يحتج حتى إلى الكثير من الكلام. الوقائع كانت أقوى من أي ادعاء.
حضرت أمي الجلسة بثقة زائفة لكن ما إن بدأت الوثائق تعرض حتى تغيرت ملامحها تدريجيا. كل تسجيل كل شهادة كان يعيدها إلى اللحظة التي تركت فيها طفلتها عند بوابة رقم 12. لم يكن لديها رد. لم يكن لديها دفاع. فقط صمت ثقيل وصورة امرأة واجهت الحقيقة التي هربت منها لسنوات طويلة.
بعد انتهاء القضية وحصول أبي رسميا على حضانتي توقعنا أن تختفي أمي من حياتنا. لكنها لم تفعل. ظهرت بعد أسابيع واقفة أمام بوابة مدرستي تنتظرني بنظرة غريبة خليط من انكسار وڠضب. قالت لي عندما اقتربت كان لازم تبقي معايا إنتي بنتي. لم أستطع الرد فورا الكلمات تجمدت في حلقي مثل صخرة.
نظرت إليها طويلا وفي داخلي صوت يشبه الحقيقة التي لم أعد أخاف قولها. قلت بهدوء أنا كنت بنتك يوم ما سبتيني لوحدي في المطار. ارتجف فمها قليلا وكأن الجملة أصابت مكانا لم تتوقعه. لكنها بدلا من الاعتذار قالت كنت مضغوطة وكل واحد له لحظة ضعف. أدركت حينها أنها ليست نادمة بل فقط غاضبة لأنها خسړت السيطرة.
تحركت خطوة للخلف فمدت يدها وكأنها ستمنعني من الرحيل. لكن قبل أن تلمسني ظهر أبي يقف ورائي بثبات لا يتزحزح. قال لها بصوت منخفض لكنه قاطع ليا مش ملك لأحد ومش ھتأذيها تاني. بقيت أمي تنظر إلي للحظة ثم استدارت ببطء ومشت بقامة امرأة حاولت التمسك بشيء ضاع منها إلى الأبد.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد. لم يظهر اسمها في أي مكالمة ولم تصل رسالة منها. ربما أدركت أن الأمومة ليست كلمة تقال بل قلب لا يهرب. واليوم بعد سنوات أنظر إلى تلك الطفلة التي كنتها وأشعر بالفخر. نجوت. كبرت. ووجدت البيت الذي ينتمي إليه اسمي وروحي ومستقبلي.
وهكذا كانت الأوراق القانونية بانتظارها لتخبرها بأن الطفلة التي تركتها أصبحت أقوى مما توقعت.

تم نسخ الرابط