دخلت المطعم بتاعي
زي الساعة.. كل حاجة بتجيب فلوس.. بس كل حاجة كانت مېتة.
لحد ما شفتها.
بنت في العشرينات، شعرها ملموم ديل حصان، وتحت عينيها سواد من كتر السهر والتعب. اسمها على الكارت مريم. لبسها كان زي الفل، بس كعب جزمتها
كان
متآكل وبايظ.
قربت من تربيزتي بنفس الاحترام اللي بتديه لأي حد تاني.
مساء الخير يا فندم، قالت بصوت تعبان بس واثق. تحب تشرب حاجة في الأول؟
قصدت أطلب أرخص حاجة في المنيو.
ولا الهوا.. مريم مظهرش على وشها أي تعبير تقليل مني.
تحت أمرك، قالت بهدوء، وراحت جابت الطلب.
لما رجعت، رفعت عيني فيها وطلبت أغلى حاجة في المطعم.
عايز ال إمبايور كات.. قطعة ال 1200 جرام.. وعليها إضافات الترافل.
إيدها اللي بتكتب وقفت لحظة.
وهو كملت وعايز أعتى نوع عصير معتق عندكم.
هنا مريم متمالكتش نفسها.
لأول مرة بصت على كم قميصي المنسل، وبعدين بصت في عيني. مكنتش نظرة قرف، ولا حتى شك.. كانت نظرة خوف عليه.
كأنها بتحاول تفهم هو الراجل الغلبان ده عارف هو بيعمل إيه؟ عارف هيدفع كام في الآخر؟
وفي اللحظة دي،
عرفت إن مريم هي أول وش حقيقي أشوفه طول الليل.
مريم سابتني ومشيت وهي بتبص وراها بقلق، وأنا فضلت قاعد أراقب المسرحية الهزلية اللي بتحصل في مطعمي. علاء المدير كان بيمسح جوخ لراجل أعمال قاعد بعيد، وفي نفس الوقت بيدي
نظرات
ڼار لمريم كل ما تعدي من جنبه، وكأنه بيحذرها
بعد نص ساعة، مريم رجعت ومعاها الطلب. حطت الأطباق بقمة الشياكة، وقبل ما تمشي، مالت عليا وكأنها بتمسح الترابيزة، وزحزحت ورقة صغيرة مطبقة تحت حرف الطبق.
فتحت الورقة بصباعي تحت الترابيزة، وقلبي بدأ يدق بسرعة مكنتش متوقعها. كان مكتوب فيها بخط إيد مهزوز
يا حاج، لو سمحت بلاش تطلب الحاجات دي.. السعر اللي في المنيو حقيقي مش هزار، والمدير هنا معندوش رحمة، لو مكنش معاك تمنها هيطلبلك البوليس وهيهينك قدام الناس. أنا لغيت الطلب الغالي من السيستم وهنزل لك وجبة موظفين على حسابي.. كل واتكل على الله قبل ما المدير ياخد باله.
بصيت لمريم وهي بعيد، كانت بتبصلي پخوف حقيقي، مش خوف من المدير، ده خوف عليّ أنا. البنت دي كانت مستعدة تضحي
بشغلها، وربما بمرتبها اللي
هي محتاجاه عشان جزمته المقشرة، بس عشان تحمي راجل غلبان هي متعرفوش من پهدلة محتملة.
في اللحظة دي، الډم غلي في عروقي. مش عشانها، عشان علاء والسيستم اللي أنا بنيته وخلى الناس الطيبة اللي زي مريم تعيش في ړعب.
طلبت الحساب.
مريم جت وهي وشها جايب ألوان، وحطت قدامي فاتورة صغيرة جداً تمن المية بس.
في اللحظة دي، علاء المدير ظهر فجأة زي القضا المستعجل، وسحب الفاتورة من إيدها.
إيه ده يا مريم؟ الراجل ده طالب الإمبايور كات.. فين الحساب؟
مريم بدأت تتلعثم يا فندم هو.. هو غير رأيه وأنا..
علاء قاطعها بصوت عالي لفت نظر المطعم كله انتي هتستهبلي؟
أنا شايفه وهو بيطلب الطلب الغالي! انتي فاكرة إننا فاتحينها تكية؟ ولا انتي بتقبضي من ورايا يا
بت؟
بصلي
باحتقار وقال وأنت يا شاطر.. فاكر إنك هتدخل تتمنظر وتخرج ببلاش؟ ادفع تمن اللي طلبته وإلا والله العظيم ما هخرجك من هنا غير على القسم، وهخليك عبرة لكل الأشكال اللي زيك.
قمت وقفت ببطء. مريم كانت بټعيط وصوت شهقاتها واصل لي.
قلتله بهدوء مستفز أنا هدفع.. بس هدفع التمن اللي المكان ده يستحقه فعلاً.
طلعت تليفوني، واتصلت برقم واحد. عصام فوزي؟ انزلي حالاً عند البرنس الذهبي.. أنا واقف في صالة المطعم.
علاء ضحك بسخرية بتكلم مين يا روح أمك؟ عصام بيه فوزي؟ أنت اټجننت؟
خمس دقائق والمطعم كله سكت. عصام فوزي، مدير قطاع الضيافة، دخل بيجري، ووشه أصفر زي الليمونة أول ما شافني باللبس ده.
حسين بيه؟! خير يا فندم؟
علاء وقع من طوله، والزبائن سكتوا تماماً.
بصيت لعلاء
وقلت بصوت هز حيطان المكان
المكان ده من اللحظة دي مقفول للصيانة.. مش صيانة الحيطان، صيانة النفوس. أنت يا علاء، مطرود، ومش عايز أشوف وشك في أي شركة شايلة اسم الشاذلي تاني. والآنسة اللي كانت في الاستقبال تلحقك.
بصيت لمريم اللي كانت واقفة مذهولة، دموعها لسه على خدها بس عينيها مش مصدقة.
روحت عندها وقلت لها يا مريم، الورقة بتاعتك دي أغلى من كل الدهب اللي في المطعم ده. من بكرة، انتي مديرة الفرع ده.. وبمرتب المديرين، وأي حد هيتعامل مع زبون بناءً على لبسه، حسابه معايا أنا شخصياً.
طلعت من المطعم وأنا حاسس لأول مرة من سنين إن الهوا نظيف.
ركبت تاكسي بسيط، وبصيت للقاهرة من الشباك.. عرفت إن الحقيقة مش في المكاتب المكيفة، الحقيقة في قلوب
الناس اللي لسه پتخاف
على بعضها من غير مقابل.