امي عاشت معنا
الناس ممكن يكونوا أخطرهم، وإن اللي يستاهل الثقة بجد هو اللي وقف معاه وهو في أضعف حالاته، مش اللي شاركه نجاحه بس، ومن ساعتها وهو بيحافظ على أمه كأنها كنزه الحقيقي، لأنه أخيراً فهم إن كل الفلوس والقصور ملهاش أي قيمة لو الإنسان خسر اللي ضحى عشانه بكل حاجة.
لكن الحكاية ما خلصتش عند طرد صافي ولا حتى عند طلاقها، لأن اللي حصل ساب چرح أعمق جوه ياسين، چرح اسمه إزاي ما خدتش بالي؟، السؤال ده كان بيصحيه من النوم ويخليه يبص لنفسه في المراية وكأنه بيحاسبها، وعلشان كده قرر يعمل حاجة مختلفة، مش بس يعوض أمه، لكن كمان يصلّح الجزء اللي انكسر جواه، بدأ الأول بأمه، جاب لها دكاترة متخصصين، ونظام أكل متكامل، وممرضة تراعيها، لكن الأهم من كل ده إنه بقى هو بنفسه يقعد معاها بالساعات، يسمع حكاياتها القديمة، يضحك على ذكرياته وهو صغير، وكان كل يوم بيشوفها بترجع واحدة واحدة للحياة، لحد ما في يوم قالت له وهي بتبتسم أنا رجعت يا ابني، الجملة دي كانت بالنسبة له أغلى من كل صفقاته.
لكن في نفس الوقت، كان فيه ملف مفتوح لازم يتقفل ملف صافي، لأنها ما استسلمتش، بالعكس، بدأت تحاول تضربه من تحت لتحت، نشرت إشاعات وسط رجال الأعمال إنه قاسې وطرد مراته من غير سبب، وحاولت تأثر على سمعته، وفعلاً لفترة بسيطة، بعض الناس بدأوا يتكلموا، لكن ياسين كان أهدى من إنه يرد بانفعال، جمع كل الأدلة اللي عنده، وسجل القضية مش بس طلاق، لكن كمان تشهير وإساءة معاملة، ولما الموضوع وصل للمحكمة، المفاجأة كانت إن صافي نفسها اڼهارت قدام القاضي لما اتعرضت التسجيلات، وما قدرتش تنكر، وحكمت المحكمة لصالح ياسين، واتقفلت الصفحة دي رسمي.
الغريب بقى إن بعد كل ده، جاله عرض شراكة كبير من واحدة ست اسمها ليلى، سيدة أعمال معروفة، لكن كانت مختلفة، هادية، وبتتكلم بعقل، مش بمظاهر، في الأول كان رافض يدخل أي علاقة جديدة، حتى لو شغل، لكن مع الوقت لاحظ إنها بتعامله باحترام، والأهم إنها أول ما عرفت حكاية أمه، طلبت تزورها، ويوم ما دخلت القصر، أول حاجة عملتها إنها سلمت على الحاجة كريمة بإيدها وباست رأسها، ومن غير مبالغة ولا تمثيل، التصرف ده هز حاجة جوه ياسين، حاجة كان فاكرها ماټت.
الأيام عدت، والشراكة نجحت، والعلاقة بينهم كبرت، بس المرة دي ياسين كان بيتعلم، ما بقاش يندفع، ولا يثق بسرعة، كان بيبص للأفعال مش الكلام، والحاجة كريمة كانت بتراقب من بعيد، لحد ما في يوم قالت له دي بنت أصول يا ياسين بس المرة دي افتح عينك وقلبك مع بعض، ابتسم وقال لها المرة دي أنا اتعلمت يا أمي.
ومع مرور الوقت، القصر اللي
كان شاهد على أسوأ لحظة في حياته، بقى شاهد على بداية جديدة، بداية فيها نضج وقوة، وأهم من كل ده، فيها وفاء حقيقي، وياسين بقى يحكي قصته لأي حد قريب منه، مش علشان يبان قوي، لكن علشان يفكر نفسه دايمًا إن الغلطة اللي بتتساب من غير ما نتعلم منها، بتتكرر، وإن أغلى حاجة ممكن يملكها الإنسان مش الفلوس ولا النفوذ لكن الناس اللي بتحبه بصدق.
وفي ليلة هادية، كان قاعد جنب أمه في الجنينة، مسك إيدها وقال لها أنا كنت هخسرك يا أمي بس ربنا نجاني، ردت عليه بابتسامة فيها رضا وقالت اللي بيني وبينك عمره ما يضيع يا ابني بس خلي بالك، مش كل اللي يضحكلك بيحبك، ولا كل اللي يحبك يعرف يضحكلك، ضحك ياسين وقال المرة دي فهمت الدرس كويس، وبص للسما وهو حاسس براحة عمره ما حسها قبل كده، لأنه أخيراً بقى عنده كل حاجة وأهمهم راحة ضميره.