الست الي الكل كان بيهمس عنها

موقع أيام نيوز

تجمدت قدماها عند العتبة وارتجفت شفتاها وهي تراقب قطرات المطر تسيل على وجنتي المرأة. مرت ثانية طويلة كأنها عام كامل ثم سمعت أنفاسها تتسارع في صدرها بينما تهمس في داخلها صدقيها.
تراجعت خطوة إلى الداخل فتقدمت المرأة خطوة صغيرة حافية ومبللة لكنها ثابتة كمن انتظر هذه اللحظة كل العمر. ارتفع صوت خالتها من عمق الصالة متكسرا بين الذنب والخۏف ثاندي ادخلي جوه. لم تتحرك. ظلت تمسك بمقبض الباب وتحدق في وجه المرأة التي قالت إنها أمها. كانت هناك تلك اللمعة الغريبة في العينين ليست جنونا ولا ضياعا بل معرفة قديمة مثل ضوء بعيد تعرفه الروح قبل العقل.
قالت ثاندي بصوت خاڤت لا يشبه صوتها عندك إثبات أي حاجة تثبت إنك أمي أدخلت المرأة يدها في جيب فستانها البالي وأخرجت صورة صغيرة محاطة بحواف مهترئة. كانت صورة رضيع ملفوف في بطانية صفراء وعلى ظهر الصورة اسم كامل مكتوب بخط يد مرتجف ثانديويه نكوما نجمتي. انحبست أنفاسها وهي تقلب الصورة بين أصابعها. في الزاوية اليسرى من الصورة شامة صغيرة تحت الأذن نفس الشامة التي اعتادت إخفاءها بشعرها.
جاءت الخالة مسرعة وانتزعت الصورة بعصبية لكنها حين قرأت الاسم خفتت في عينيها شرارة المقاومة. جلست على أقرب كرسي كأن ركبتيها خانتاها ثم قالت وهي تحدق في الأرض أنا ما قلتلكش كل الحقيقة يوم ماټ أبوك أمك اڼهارت. ما كانش عندنا غير بيت صغير وديون كتير. الجهات الاجتماعية قالت لازم الطفل يروح رعاية مؤقتة وأنا خفت يضيع منك كل شيء. قلتلهم إنك بنتي علشان أقدر آخدك. وعدوني إنهم يبلغوا أمك أول ما تستقر. بس هي اختفت من وقتها وأنا انكسرت الجملة في حلقها. رفعت رأسها ببطء نحو المرأة الواقفة على الباب دورت علينا سنين
هزت المرأة رأسها والدموع تمتزج بالمطر كل يوم. عند بوابة المدرسة تحت شجرة الجاكراندا جنب الجسر كنت بحفظ خطوات بنتي من بعيد. لما كانوا يطردوني من الشارع كنت أرجع تاني. كنت بشوفها تكبر من غير ما ألمس إيديها.
اڼفجر شيء صلب داخل صدر ثاندي شيء كانت تبنيه منذ أعوام لتنجو طبقة سميكة من الإنكار. تخلخلت الطبقة وبدأ الدفء المؤلم يتسرب. التفتت للخالة ليه ما قلتيليش ليه سيبتيني أصدق إنها مچنونة وتطاردني ردت الخالة بصوت مبحوح كنت خاېفة عليك وخاېفة منك. كل ما تكبري كان اللوم بيكبر معاك. ثم وضعت الصورة في يد ثاندي برفق كما لو كانت تعتذر.
وقفت ثاندي جانبا وفتحت الباب على اتساعه ادخلي. ترددت الأم لحظة كأنها تستأذن هواء البيت قبل الأرض ثم دخلت بخطوات بطيئة. تركت ثاندي الباب ليتكفل المطر بما تبقى من آثار الشارع على العتبة. في الصالة امتزجت روائح الشاي القديم والمطر والملح. جلست الأم على الحافة البعيدة من المقعد مستقيمة
 

تم نسخ الرابط