ثمن الحكمة دروب النجاة

موقع أيام نيوز

العنوان ثمن الحكمة... دروب النجاة
في أحد أطراف المدينة العتيقة حيث كانت الطرقات متعرجة كذكريات شيخ خرف والمنازل متلاصقة كأنها تتناجى بأسرار أهلها خرج شاب يدعى نزار من بيته في الصباح الباكر لا يحمل معه إلا قلبا طيبا وجيبه الذي لا يحتوي سوى ستة قروش نحاسية باهتة تئن من الفقر كما يئن قلبه من اليأس.
كان نزار شابا حسن الهيئة في عينيه بريق صدق وفي خطاه شيء من الثقة الممزوجة بالحذر. خرج بحثا عن عمل يعينه على حياته بعدما ضاقت به السبل ولم يبق له في المدينة من معين. وبينما كان يسير بخطى مثقلة بالهموم لفت انتباهه متجر بسيط البناء فارغ من البضاعة لا لافتة له ولا صخب حوله سوى رجل طاعن في السن يجلس على كرسي خشبي عتيق وخلفه ميزان قديم مائل إلى جهة واحدة.
اقترب نزار وسأل متعجبا السلام عليك يا عم ما الذي تبيعه هنا نظر إليه العجوز بابتسامة غامضة وقال أبيع ما لا يشترى وأقدم ما لا يقدر بثمن... أبيع الحكمة.
قطب نزار حاجبيه وقال في نفسه هذا مچنون أو مخادع... من يبيع الحكمة لكنه استدرك بفطنة لكن ما الذي سأخسره الفضول طريق المعرفة. ثم سأله وكم ثمن الحكمة أجابه العجوز قرشان.
تردد نزار قليلا ثم أخرج قرشين من جيبه ووضعهما على طاولة التاجر فقال له العجوز بلهجة واثقة من ائتمنك فلا تخنه ولو كنت خائڼا.
هز نزار رأسه وهو يبتسم بإعجاب جميلة! ثم سحبه الفضول من جديد فدفع قرشين آخرين وقال هات حكمة أخرى.
فقال العجوز
اتق الله حيثما كنت فمن يتق الله يجعل له من كل ضيق مخرجا.
شعر نزار بقشعريرة تمر في جسده وكأن الكلمات ليست مجرد حروف بل كانت ضړبا من النور يتسلل إلى قلبه. ثم قال ما دمت أملك قرشين بعد فهات الثالثة.
أخذ العجوز القرشين بابتسامة صامتة وقال ليلة الحظ لا تفوتها.
رفع نزار حاجبيه وقال بتهكم هذه! ما شأنها بالحكمة لكنها قد تكون كذلك يوما ما.
شكره وانصرف يبحث عن عمل حتى انتهى به الحال أمام قصر فخم تحيط به أشجار مرتبة كأنها جنود مصطفة. سأل البواب عن فرصة للعمل فقاده إلى صاحب القصر رجل ثري يدعى البارون ياسين وكان بارونا من سلالة أرستقراطية لكن قلبه لم يعجب بأبناء طبقته بل كان يميل للناس البسطاء الصادقين.
أعجب البارون بهيئة نزار وأدبه وقال له أبحث عن شاب أمين يرعى أملاكي أثناء غيابي فسأجربك فإن صدقتني كنت عندي بمنزلة الابن.
وهكذا بدأ نزار العمل في القصر يتفانى بإخلاص لا يغيب عن نظره شيء من الواجب. أحبه البارون كأنه ولده خاصة أنه لم يرزق بولد. وبعد شهور أعلن البارون عزمه على أداء فريضة الحج فاستدعى نزار وقال له يا نزار بيتي وأموالي وزوجتي أمانة في عنقك حتى أعود. افعل ما تطلبه منك سيدتك وكن لها معينا كما أنت لي أمين.
فأجابه نزار دون تردد أعاهدك أمام الله أن أرعى الأمانة وأؤدي الأمانة كما ينبغي.
مرت الأيام وفي إحدى الليالي وبينما كان نزار يراجع دفاتر البارون في مكتبه
 

تم نسخ الرابط