حين رزق الله الشيخ
حين رزق الله الشيخ كما رزق الثعبان
في قرية بعيدة تحيط بها الحقول من كل جانب وتغمرها أشجار الزيتون والرمان عاش شيخ مسن يدعى عبد الرحمن كان رجلا نحيف الجسد قد غزت الشيب لحيته وارتسمت التجاعيد على وجهه كأنها خريطة عمر طويل من الكد والتعب كان يحمل فأسه كل صباح ويخرج إلى الغابة ليجمع الحطب يبيعه في السوق ليشتري به قوت يومه وزاده وزاد أسرته الصغيرة زوجته زينب وأطفاله الثلاثة الذين كانوا ينتظرونه كل مساء بعيون يملؤها الرجاء وقلوب يثقلها الجوع
كان عبد الرحمن يحدث نفسه وهو يسير بين الأشجار العالية قائلا لولا هؤلاء الصغار الذين ېصرخون من الجوع ولولا تلك الزوجة الصابرة التي تبتسم رغم الألم لما حملت فأسا ولا كسرت غصنا بعد هذا العمر الطويل لقد أنهكتني السنون وأرهقتني الحاجة لكنني لا أملك إلا أن أواصل السعي
في صباح من الأيام كان البرد شديدا والريح تعصف بين الأغصان فخرج الشيخ كعادته يبحث عن شجرة يابسة يسهل قطعها وبينما هو يتأمل وقع بصره على مشهد غريب ثعبان أعمى ملتف على غصن شجرة قد فتح فمه كأنما يستجدي رزقه وما هي إلا لحظات حتى هبط طائر صغير من السماء فوقع على فمه المفتوح فأطبق الثعبان عليه والتهمه وقف الشيخ مشدوها وقد تجمد قلبه من الدهشة أرخى قبضته على فأسه وانحدرت دمعة حارة من عينه ثم رفع بصره إلى السماء وقال يا رب لقد شاب رأسي ورق عظمي وانحنى ظهري أرهقتني السنون وأتعبتني الحاجة ولولا زوجة ضعيفة وصبية جائعون لما بقيت على هذا العمل وها أنا أراك ترزق ثعبانا أعمى لا حول له ولا قوة وتسوق إليه رزقه من حيث لا يحتسب فارزقني كما رزقته وأعني كما أعنته
عاد عبد الرحمن إلى بيته ذلك اليوم بخطوات بطيئة لا يحمل معه شيئا من الحطب دخل البيت فاستقبلته زوجته زينب بوجه متعب وعيون قلقة وقالت أتيت بلا شيء اليوم يا عبد الرحمن ماذا سنطعم صغارنا تنهد الشيخ وقال الذي رزق الثعبان يرزقنا يا زينب عقدت حاجبيها بدهشة