طعم الحرية
اقفلي بقك ده خالص واقعدي في البيت..! إنتي وظيفتك في الحياة تملي التلاجة وتوقفي قدام البوتاجاز.. إنتي صدقتي نفسك ولا إيه؟ ده إنتي لولايا كان زمانك ولا حاجة، خليكي في المطبخ ده مقامك....!!!!"
صوت مدحت كان بيهز حيطان الشقة، والباب اترزع وراه رزعة خلت المواعين في النيش تترج وتعمل رنة مكتومة. "ليلى" وقفت مكانها جنب البوتاجاز، إيدها متبتة في المعلقة الخشب وقلبها بيدق في زورها من الخضة والإهانة.
مدحت كان دايم التقليل منها، شايف إن تعبه بره البيت يديله الحق يهد كيانها جوه البيت. ليلى كانت بتقلّب الصلصة في صمت.. متوفرة على روايات و اقتباسات الصمت ده كان سلاحھا الوحيد وتجارتها الرابحة في آخر تلات سنين. كانت عارفة إن الرد ملوش لازمة، ومدحت كدة كدة هيلاقي حاجة يقطمها فيها.
"أنا بكلمك! لسه مفيش حاجة جهزت؟!" مدحت دخل المطبخ وهو بيخبط برجليه في الأرض بغل. "أنا طافح الكوتة طول النهار في الشغل، وهانم قاعدة بتعمل إيه؟ أكيد باصة في التلفزيون ومضيعة وقتك!"
ليلى ردت بهدوء وهي باصة في الحلة: "العشا هيبقى جاهز كمان خمس دقايق."
"كمان خمس دقايق!" قلد صوتها بسخرية. "أرجع البيت وتقولي كمان خمس دقايق! شوفي زمايلي في الشغل بيحكوا عن ستاتهم إيه، الواحدة منهم بتبقى واجهة وتفتح النفس، مش زيك كدة بوز شبرين وهدوم مطبخ.."
شاور بإيده كأنه بيهش دبانة، كأن ليلى دي حاجة زايدة ملهاش قيمة.
العشا عدي في سكوت مريب. مدحت عينه في التقرير اللي قدامه، وليلى كانت بتغرس الشوكة في الأكل وهي حاسة بمرارة في حلقها، مكنتش قادرة تبلع لقمة واحدة.
"أمي جاية بكرة،" قالها من غير ما يرفع عينه. "اعملي لقمة تفتح النفس، مش عايزها تفتكر إني عايش هنا محروم."
"الحاجة زينب".. الحماة اللي عمرها ما شافت ليلى تملى عين ابنها. ومن أول يوم كانت بتعامل ليلى كأنها "تلميذة فاشلة" في مدرسة التدبير المنزلي.
ليلى رفعت عينها وبصت لمدحت بالراحة.. مكنش فيه دموع. كان فيه حاجة تانية.. قرار بارد وقوي. مدحت كمل وهو حاسس إنه مسيطر: "انسي بقى حوار الكورسات والتعليم اللي شاغلة نفسك بيه ده.. إنجليزي إيه وإدارة إيه؟ إنتي فاكرة نفسك هتبقي وزيرة؟ الأحسن ليكي تداري خيبتك وتخليكي في الطبيخ، مابتعرفيش تعملي حاجة تانية يا غبية!"
الكلمة نزلت عليها زي الجبل، بس هو مكنش يعرف الحقيقة..متوفرة على روايات و اقتباسات…كان فاكرها بتضيع وقت. بس في التلات سنين دول، ليلى كانت خلصت دراسة إدارة أعمال "أونلاين"، وخدت شهادات في المحاسبة والتسويق. كانت بتذاكر والبيت كله نايم، وبالنهار بين المسح والطبخ كانت بتبلع الكتب بلع. كانت بتشيل كل شهادة في كرتونة قديمة فوق الدولاب.. تذكرة خروج لحياة تانية.
بعد فترة، الضغط زاد، ومدحت بقى طبعه أصعب. وفي لحظة مواجهة، ليلى قررت إن "الكيل طفح".