رزق الصبر
الليلة اللي أبوها كسر فيها حلمها قدام الكل، محدش اتخيل إن البنت المطفيّة دي هتبني لوحدها مستقبل أكبر بكتير من أختها المدللة.. وإنها بعد سنين، هتبقى هي الوحيدة اللي شايلة العيلة كلها على كتافها. بقلم مني السيد
عم لبيب رفع كباية الشربات وابتسامته واصلة لودانه، والبهجة مش سايعاه وهو بيخبط بالمعلقة على الكباية عشان الكل ينتبه له بقلم مني السيد
اشربوا يا جماعة.. اشربوا في نخب بنتي إيمان، قالها وهو باصص لها بفخر، أنا عارف إنها هتوصل لبعيد.. إيمان عندها كل اللي يخليها تنجح وتشرفنا.
الصالة في بيتهم اللي في حي شعبي بسيط، ضيقة بس نضيفة وزي الفل، اتملت تصفيق وزغاريد. عمتها إلهام قعدت تنادي عليها يا سيادة المستشارة، والجيران قالوا إن بانت لبتها من صغرها. أما الأم، ست نادية، فمسحت إيدها في مريلة المطبخ وهي حاسة بفخر الدنيا كله، وراحت باست راس بنتها الكبيرة. السفرة كان عليها محشي وفراخ محمرة ومكرونة بالبشاميل، وتورتة متوسطة جابوها بالقسط من حلواني المنطقة، كل ده عشان إيمان تستاهل.
أما جنا، فكانت واقفة جنب باب المطبخ، ماسكة شفشق العصير ومستنية أي حد يطلب كباية. كان عندها تمنتاشر سنة، في السن اللي الناس بتشوفك فيه طفلة لما يحبوا يمشوا كلامهم عليكي، وبشوفوكِ كبيرة ومسؤولة لما يعوزوا يحملوكي فوق طاقتك. كانت لابسة بلوزة بسيطة، ولامّة شعرها لورا، وعينيها هادية وساكتة كالعادة. كانت من النوع اللي بيخبي مشاعره، مش عشان مبيحسش، لا، عشان بيحس أكتر من اللازم متوفرة علي روايات و اقتباسات
إيمان، اللي أكبر منها بتلات سنين، قامت من مكانها بمنتهى الثقة، كأنها مولودة عشان تكون تحت الأضواء. ضحكت برقة مصطنعة وقالت
تسلم يا بابا.. أوعدك مش هخيب ظنك أبدًا.
رد لبيب وهو بيطبطب على كتفها
أنا عارف إنك مش هتخذلينا، لأنك بتعرفي تستغلي الفرص صح.
جنا حست بالكلمة زي نغزة الإبرة في قلبها. دي مش أول مرة، ولا عاشر مرة. في البيت ده، الحب مبيتوزعش بالعدل، والتمييز كان بيبان في النظرة قبل الكلمة.
عمتها إلهام، اللي لسانها دايما سابقها، سألت فجأة
طيب والبت جنا؟ ناوية تدخلي كلية إيه يا جنا؟
السكوت حل في الصالة.. سكوت تقيل، من النوع اللي بيدوم ثواني بس بيعلم في الروح سنين.
جنا رفعت راسها. مكانتش ناوية تتكلم النهاردة، بس اللي بيستنى عمره كله، بيحس إن أي لحظة هي اللحظة الأخيرة.
نفسي أدخل طب أسنان، قالتها بصوت مش عالي، بس الكلمة وقعت على السفرة زي طبق اتكسر مېت حتة، خلى الكل يبص لها بذهول.
إيمان أول واحدة بصت لها باستنكار. ست نادية وقفت وبطلت تغرف الأكل. وعم لبيب عقد حواجبه وقال
طب أسنان؟ إنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟
أيوه يا بابا، ردت وهي ضاغطة على إيد الشفشق، أنا سألت وعرفت إن فيه جامعة حكومية، وهقدم على منحة، وممكن