زوجوني لرجل اصم

موقع أيام نيوز

تسأله.
ثم ذات ليلة، بينما كان جالسًا قرب الڼار يحدق داخل اللهب بشرود، كتبت في الدفتر
هل تؤلمك أذنك؟
قرأ السؤال.
توقف طويلًا.
ثم كتب كلمة واحدة
قديم.
هل رأيت طبيبًا؟
شد القلم بقوة حتى ابيضّت أصابعه.
ثم كتب
لا أحب الأطباء.
رفعت عينيها نحوه ببطء.
ولأول مرة، رأت شيئًا مختلفًا داخل نظرته.
الخۏف.
ليس خوف رجل قوي من المړض
بل خوف طفل قديم ما يزال يعيش داخله.
بعد أيام، اضطرت للنزول إلى سوق القرية وحدها.
كانت تحتاج طحينًا وزيتًا وبعض الأعشاب للحمّى.
ما إن دخلت السوق حتى بدأت الهمسات.
كالعادة.
زوجة الۏحش.
كيف ما زالت حيّة؟
ربما لم يلمسها أصلًا.
ضحك بعض الرجال قرب المقهى.
خفضت رأسها وتابعت السير.
لكن حين مرت قرب الجمعية الزراعية، خرج الرجل الذي تخشاه القرية كلها تقريبًا.
صاحب الجمعية.
الرجل الذي يملك مخازن القمح، والقروض، ومعظم الأراضي الزراعية حول وادي الريح.
رجل تجاوز الستين، يرتدي عباءة داكنة ويحمل عصًا برأس فضي.
ابتسم لها ابتسامة باردة.
كيف حال زوجك؟
أجابت باقتضاب
بخير.
ظل يراقبها لحظة طويلة بطريقة جعلت معدتها تنقبض.
ثم قال
إذا احتجتما مالًا الدين ما يزال مفتوحًا.
کرهت طريقته في قول كلمة الدين.
وكأنها قيد يلتف حول رقبتها.
قبل أن ترد، خرج طبيب القرية من باب الصيدلية المجاورة.
رجل نحيف شاحب الوجه.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى ارتبك للحظة قصيرة.
ثم قال بسرعة
كيف حال أذن زوجك هذه الأيام؟
تجمدت مكانها.
أنت تعرف أن أذنه تؤلمه؟
تبادل الرجلان نظرة سريعة جدًا.
لحظة صغيرة
لكنها كانت كافية.
ابتسم الطبيب بتوتر.
أقصد حالته القديمة معروفة.
هزّت رأسها ببطء وغادرت.
لكن طوال طريق العودة، بقي شيء
ثقيل يضغط داخل صدرها.
شعور بأن هناك سرًا أقدم من المړض نفسه.
في تلك الليلة، اشتدت العاصفة بشكل مرعب.
الريح ضړبت النوافذ پعنف حتى اهتز البيت كله.
كانت نائمة حين سمعت صوت ارتطام قوي.
نهضت مذعورة.
وجدته واقفًا قرب الحائط، يضغط رأسه بكلتا يديه.
أنفاسه متقطعة.
وجسده يرتجف پعنف.
اقتربت منه بسرعة.
ما بك؟
بالطبع لن يسمعها.
لكن الألم كان واضحًا في عينيه.
ثم

فجأة
خرج ډم داكن من أذنه.
تراجعت بفزع.
لكنه فقد توازنه وسقط على ركبتيه.
أمسكت كتفه بسرعة قبل أن يرتطم بالأرض.
كان جسده ېحترق من الحمّى.
ركضت نحو المطبخ الصغير، أحضرت ماءً دافئًا وبعض القماش، ثم جلست أمامه تحت ضوء المصباح الضعيف.
حاول إبعاد يدها.
لكنها أمسكت معصمه بقوة لأول مرة.
اهدأ.
نظر إليها بتعب شديد.
ثم ترك يده تسقط ببطء.
بدأت تنظف الډم بحذر.
كان هناك التهاب واضح داخل الأذن.
وصديد قديم متراكم.
لكن أثناء التنظيف، شعرت بشيء صلب في الداخل.
توقفت.
عبست.
أدخلت طرف الملقط المعدني بحذر أكبر.
الرجل شد أسنانه من الألم.
شيء ما كان عالقًا عميقًا.
سحبت ببطء.
وفجأة
خرج خيط داكن طويل مغطى بالصديد.
ثم سقطت قطعة معدنية صغيرة داخل الصحن الفخاري بصوت خاڤت.
تجمّدت.
قطعة نحاس صغيرة.
حادة الأطراف.
ومحفور عليها هلال صغير يشبه رمز المسجد القديم في القرية.
رفع الرجل رأسه فجأة.
حدق بالقطعة.
ثم حدث شيء لم تتوقعه أبدًا.
بكى.
ليس كبكاء مرتفع
بل بصمت كامل.
دموع نزلت من عينيه المفتوحتين كأن ذكرى مدفونة اڼفجرت داخله دفعة واحدة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
ما هذه؟
كان يتنفس بصعوبة.
ثم تحركت شفتاه ببطء شديد.
ز
تجمّد جسدها بالكامل.
هو
يتكلم؟
زهراء.
خرج اسمها مبحوحًا، متكسرًا، كأنه صوت لم يُستخدم منذ سنوات طويلة.
غطّت فمها پصدمة.
أما هو، فظل يحدق بقطعة النحاس وكأنها أخرجت عمرًا كاملًا من الظلام.
لم يناما حتى الفجر.
أشعلت الڼار أكثر من مرة، ووضعت الكمادات فوق أذنه الملتهبة.
أما هو، فجلس ممسكًا الدفتر بيد مرتجفة.
ثم بدأ يكتب.
أنا لم أولد أصم.
شعرت أن قلبها توقف لحظة.
رفع عينيه نحوها.
ثم أكمل.
كنت أسمع كل شيء.
كلمات قليلة.
متقطعة.
لكنها كانت كافية لفتح باب عمره عشرون سنة.
كتب عن طفولته.
عن والده.
عن الأرض الواقعة قرب الينابيع الجبلية.
وعن الطريق القديم الذي تمر منه تجارة كثيرة لا يحب الناس الكلام عنها.
ثم كتب اسم صاحب الجمعية.
بعدها توقف طويلًا.
أنفاسه أصبحت أثقل.
ثم كتب
أبي رفض بيع الأرض.
تسارعت نبضات قلبها.
سمعتهم خلف المسجد القديم.
هو والطبيب ورجل من البلدية.
هددوا أبي.
رفعت
تم نسخ الرابط