زوجوني لرجل اصم

موقع أيام نيوز

السيارات.
أصوات الناس.
أبواب المحلات.
رائحة القهوة والديزل والمطر.
الأذان البعيد الخارج من مسجد مزدحم.
كان يلتفت حوله بارتباك واضح.
الأصوات تصل إليه مشوشة ومتقطعة، لكنه كان يسمعها.
ولأول مرة منذ عرفته، رأته خائفًا من شيء غير الذكريات.
العالم نفسه صار مرتفعًا أكثر من اللازم.
دخلوا مستشفى حكوميًا صغيرًا.
بعد ساعات طويلة من الانتظار، دخل حيدر غرفة الفحص.
الطبيب كان رجلًا خمسينيًا هادئ الملامح.
استمع للقصة بصمت كامل.
ثم بدأ يفحص أذن حيدر بدقة.
دقائق طويلة مرت دون كلمة.
بعدها تغيّرت ملامحه فجأة.
نظر نحو زهراء ببطء.
من فعل هذا به؟
شعرت زهراء ببرودة تمر داخل جسدها.
يعني؟
تنهد الطبيب.
هذه ليست إصابة طبيعية.
هناك آثار ثقب قديم متعمد في طبلة الأذن.
والالتهابات المزمنة تدل على وجود أجسام غريبة تُركت بالداخل لسنوات طويلة.
رفع قطعة النحاس الصغيرة بالملقط.
وهذا وحده كان كافيًا ليدمر السمع تدريجيًا لو تُرك دون علاج.
جلس حيدر ساكنًا فوق الكرسي.
كأنه يسمع الحكم النهائي على حياته كلها.
اقترب الطبيب منه قليلًا.
هل تتذكر ما حدث؟
أغمض حيدر عينيه.
ثم قال بصوت متقطع
ثبتوني
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى الطبيب بدا متوترًا.
ثم قال بهدوء
يجب أن نجري تدخلًا جراحيًا بسرعة قبل أن يصل الالتهاب إلى العظم.
كانت العملية طويلة.
زهراء جلست خارج غرفة العمليات ساعات كاملة، تضم التقرير الطبي داخل حضنها كأنه الشيء الوحيد الذي يبقيها واقفة.
في كل مرة يُفتح فيها الباب، كانت تنهض بفزع.
حتى خرج الطبيب أخيرًا.
خلع الكمامة ببطء.
ثم قال
أخرجنا ثلاث قطع نحاسية صغيرة أخرى.
شعرت أن الأرض اختفت تحت قدميها.
ثلاث؟
هز رأسه.
هذا لم يكن حادثًا أبدًا.
كان هناك تخريب متعمد للأذن.
ثم نظر إليها بجدية أكبر.
إذا أردتم، يمكنكم تقديم بلاغ رسمي.
ظلت صامتة للحظة.
ثم التفتت نحو الباب المغلق خلفه.
حيدر كان بالداخل.
الرجل الذي عاش عشرين سنة كاملة داخل سجن من الصمت والخۏف.
رفعت رأسها أخيرًا.
نعم.
نريد.
كتب الطبيب تقريرًا طبيًا مفصلًا، موثقًا بالإصابات القديمة وآثار الالتهاب المزمن والأجسام المعدنية التي استُخرجت من الأذن.
وللمرة الأولى منذ سنوات
أصبحت الحقيقة مكتوبة على ورق رسمي لا تستطيع القرية تحويله إلى إشاعة.
استيقظ حيدر في منتصف الليل.
كان الضوء الخاڤت يتسلل من نافذة الغرفة، بينما زهراء نائمة فوق الكرسي قربه.
رفع رأسه ببطء.
تألم.
لكنه فجأة سمع شيئًا.
صوتًا بعيدًا جدًا.
متقطعًا.
ثم أوضح.
الله أكبر
ارتجفت شفتاه.
نظر نحو النافذة.
الأذان.
صوت الأذان.
بعد عشرين سنة من الصمت.
امتلأت عيناه بالدموع فورًا.
زهراء
استيقظت مذعورة.
هل تتألم؟
ظل ينظر نحو النافذة.
ثم قال بصوت مكسور
الأذان
غطّت فمها بيديها.
وبكت.
أما هو، فظل يستمع.
كأن العالم يعيد إليه شيئًا سُرق منه وهو طفل.
بعد يومين، عادوا إلى القرية.
لكنهم لم يعودوا وحدهم.
كان معهم
محامٍ من المدينة
ورجلان من الشرطة
والتقرير الطبي الرسمي
الخبر سبقهم.
الأصم صار يسمع.
زوجته رجعت بأوراق من المدينة.
الطبيب متورط.
عندما دخلوا ساحة القرية، شعر الجميع بالتوتر.
حتى الرجال الذين اعتادوا السخرية منه، ابتعدوا بصمت.
خرج صاحب الجمعية من باب مكتبه ببطء.
الرجل الذي ظل سنوات يسيطر على الديون والأراضي ومخازن القمح في وادي الريح.
وجهه هذه المرة لم يكن ثابتًا كعادته.
عيناه توقفتا مباشرة فوق الملف الموجود بيد المحامي.
ثم على أذن حيدر الملفوفة بالشاش الأبيض.
قال ببرود مصطنع
ما هذه المسرحية؟
فتح المحامي الملف أمام الجميع.
لدينا تقرير طبي يثبت وجود اعتداء متعمد وتشويه تسبب بفقدان السمع لهذا الرجل منذ طفولته.
ساد الصمت.
ثم ظهر الطبيب من باب الصيدلية.
كان شاحبًا بشكل مرعب.
يداه ترتجفان.
نظر إليه صاحب الجمعية پغضب حاد.
إياك أن تتكلم.
لكن الخۏف كان قد سبق كل شيء.
صړخ الطبيب فجأة
أنا لم أقتله!
تجمّدت الساحة بالكامل.
حتى الريح بدت وكأنها توقفت.
أكمل الطبيب بصوت مرتعش
أنا فقط نفذت ما طلبوه مني
الناس بدأت تتراجع ببطء.
والړعب ينتشر في الوجوه.
اعترف بكل شيء.
كيف أُحضر الطفل إلى العيادة بالقوة.
كيف ثُبت على السرير.
كيف تم ثقب أذنه ووضع النحاس داخلها.
وكيف ماټ والده بعد رفضه بيع الأرض.
شعرت زهراء أن ساقيها لم تعودا تحملانها.
أما حيدر
فكان واقفًا وسط الساحة كأنه يرى كابوس طفولته

تم نسخ الرابط