ظننا أمّنا تعيش مرتاحة… الحقيقة التي وجدناها حطّمتنا
المحتويات
الواهن ونفسها المتقطع ونظرة الخۏف في عينيها وهي تحاول أن تتمسك بالحياة بصمت. حملناها بين أذرعنا كما تحمل الذكريات الهشة وكما يحمل الشيء الثمين الذي نخشى أن ينكسر عند أقل حركة. كانت خفيفة إلى حد مؤلم خفيفة أكثر مما ينبغي أن تكون أم.
انطلقنا بها نحو المستشفى بأقصى سرعة ممكنة. الطريق بدا أطول من أي طريق سلكته في حياتي. الشوارع مزدحمة الإشارات الحمراء قاسېة وكل دقيقة تمر كانت كأنها ساعة كاملة تسحب من أعمارنا. كنت أراقب صدرها وهو يعلو ويهبط ببطء وأعد أنفاسها في صمت أخشى أن يتوقف العد فجأة. في داخلي كانت آلاف الأسئلة تصرخ كيف وصلنا إلى هنا كيف لم نر كيف صدقنا الصورة الكاذبة كل هذه السنوات
عند وصولنا إلى غرفة الطوارئ هرع الأطباء والممرضون أخذوها منا بسرعة وانغلقت الأبواب البيضاء خلفها. بقينا واقفين في الممر عاجزين نحدق في الفراغ. لم يكن هناك ما نفعله سوى الانتظار والانتظار في تلك اللحظات كان أقسى أنواع العڈاب. دقائق ثقيلة صمت مشحون وقلوب معلقة بخيط رفيع.
خرج الطبيب أخيرا. كان وجهه جادا خاليا من أي تعبير مطمئن. قال إن حالتها حرجة وإنها تعاني من سوء تغذية حاد وإن جسدها أنهكه الجوع والإهمال لسنوات. ثم قال الجملة التي لا تزال ترن في أذني حتى الآن
لقد وصلتم في اللحظة الأخيرة.
لو تأخرتم قليلا لما كانت معنا الآن.
شعرت حينها بأن الأرض تميد بي لا مجازا بل إحساسا حقيقيا أربكني جسديا ونفسيا. لم يكن ما قاله الطبيب تحذيرا نظريا يقال لتخفيف وقع الحقيقة بل كان جملة فاصلة بين الحياة والمۏت بين ما حدث فعلا وما كان يمكن أن يحدث لو تأخرنا دقائق معدودة. أدركت فجأة أننا كنا نقف على حافة فقدان لا عودة بعده وأن دقيقة واحدة فقط كانت تفصلنا عن وداع أبدي وداع لا تقال فيه كلمات ولا تغلق فيه جراح ولا تمنح فيه فرصة للاعتذار أو الفهم.
جلست على أحد مقاعد الممر الأبيض أحدق في الجدار المقابل دون أن أراه. مرت في ذهني صور كثيرة متداخلة وجه أمنا وهي تبتسم في مكالمات الفيديو صوتها الذي كان يحاول أن يبدو مطمئنا الكلمات القليلة التي كانت تقولها دائما أنا بخير لا تقلقوا. وفجأة تحولت تلك الجملة البسيطة إلى سکين. كم مرة صدقناها لأننا أردنا أن نصدقها كم مرة أغمضنا أعيننا عن شعور داخلي غامض لأن الحقيقة كانت مؤلمة أكثر من الكذب
بعد أن استقرت حالتها نسبيا بدأ الڠضب يأخذ شكله الواضح داخلنا. لم يكن انفجارا أعمى ولا صړاخا في الفراغ بل ڠضبا هادئا منظما يتحول ببطء إلى قرار. لم نعد نريد أن نسأل لماذا حدث هذا بل ماذا سنفعل الآن عندها أدركت أن الڠضب الحقيقي ليس صخبا بل وعيا حادا
متابعة القراءة