ظننا أمّنا تعيش مرتاحة… الحقيقة التي وجدناها حطّمتنا

موقع أيام نيوز

بالظلم ورغبة صادقة في ألا يتكرر.
تقدمنا ببلاغ ضد رودي دون تردد. لم نجلس لنوازن بين الخسائر والمكاسب ولم نفكر في صورته أمام الناس ولم نبحث عن أعذار تريح ضمائرنا. جمعنا كل شيء السجلات البنكية التي كنا نمر عليها سابقا مرور الكرام التحويلات التي بدت لنا يوما مجرد أرقام الرسائل القصيرة التي لم نقرأها بتمعن التواريخ التي لم نعطها أهمية. فجأة صار لكل تفصيل معنى ولكل رقم صوت ولكل ورقة قصة. كانت كل وثيقة شاهدة على خېانة وكل توقيع دليلا على سړقة ممنهجة استمرت سنوات.
سقط رودي سريعا كما يسقط كل شيء بني على الكذب. خسر البيت الذي كان يتباهى به أمام الجيران والسيارة التي كان يقودها بفخر زائف والأعمال التي أقامها على أموال ليست له وخسر سمعته حين عرف الناس الحقيقة كاملة. رأيته في إحدى الجلسات ينظر حوله بعيون مرتبكة كمن لا يصدق أن العالم الذي صنعه لنفسه ينهار بهذه السرعة.
لكن رغم كل ذلك لم أشعر بالراحة.
لم أشعر بالانتصار.
لم أشعر حتى بالشماتة.
لأن العدالة مهما كانت صارمة لا تستطيع أن تعيد الزمن إلى الوراء. لا تستطيع أن تمحو سنوات الجوع التي عاشتها أمنا بصمت ولا ليالي الوحدة الطويلة التي نامت فيها وهي تتساءل إن كان أبناؤها ما زالوا يتذكرونها ولا الخۏف الذي لازمها وهي تظن أنها منسية عبء ثقيل في حياة الآخرين.
حين خرجت أمنا من المستشفى لم يكن قرارنا بحاجة إلى نقاش طويل. لم نجتمع حول طاولة ولم نضع خططا بديلة ولم نفتح دفاتر الحساب. القرار اتخذ في صمت لكنه كان واضحا كوضوح الشمس قررنا البقاء. قررنا أن نكون هنا حيث يجب أن نكون منذ البداية.
لم نعد نفكر في الرواتب المرتفعة التي كنا نتقاضاها ولا في المكاتب اللامعة ولا في المدن البعيدة التي اعتدنا أن نسميها أوطانا مؤقتة. تلك المدن التي منحتنا كل شيء لكنها أخذت منا أشياء لم نكن ندرك قيمتها إلا الآن. قدمنا استقالاتنا من وظائفنا في الخارج بهدوء دون ضجيج دون ندم. كثيرون قالوا إننا مجانين وإننا نضحي بمستقبلنا وإننا نرمي سنوات من التعب خلف ظهورنا. كانوا يرون الأرقام ولم يكونوا يرون الإنسان.
أما نحن فكنا نرى ما لا يقاس بالأرقام.
كنا نراها وهي تفتح عينيها كل صباح بقوة أكبر قليلا من اليوم السابق.
نراها وهي تحاول الجلوس وحدها ثم الوقوف ثم المشي بضع خطوات مترددة.
نراها وهي تبتسم ابتسامة صغيرة لكنها صادقة ابتسامة لا تحتاج إلى تزييف ولا إلى كاميرا.
وفي كل خطوة إضافية كانت تمشيها دون مساعدة كنا نشعر أننا لم نخسر شيئا بل استعدنا ما كدنا نفقده إلى الأبد.
في إحدى الليالي الهادئة بعد أن عم السكون جلست أمنا معنا. كان صوتها أضعف مما اعتدناه لكنه كان أكثر صدقا وشفافية من أي
وقت مضى. قالت لنا إنها فكرت كثيرا في السنوات الماضية وإن أكثر ما آلمها لم يكن الجوع ولا المړض ولا حتى الخۏف من المۏت. بل الفكرة التي ظلت تطاردها ليلا ونهارا أنها كانت تظن أننا تخلينا عنها وأننا نسيناها وأنها لم تعد أولوية في حياة أحد.
حينها لم أتمالك نفسي. احتضنتها بقوة كأنني أحاول أن أضم كل السنوات التي غبتها في عناق واحد كأنني أريد أن أعتذر عن كل يوم لم أكن فيه حاضرا. قلت لها إننا لم نتخل عنها وإننا لم ننسها يوما بل ضللنا الطريق لبعض الوقت وصدقنا كڈبة كبيرة لأننا أردنا أن نصدقها لأننا كنا نخاف من مواجهة حقيقة قد تجبرنا على العودة.
في ذلك اليوم تغير كل شيء داخلي.
سقطت المفاهيم القديمة واحدا تلو الآخر.
سقط تعريف النجاح الذي كنت أحمله معي أينما ذهبت.
أدركت أن النجاح لا يقاس بحجم المال الذي ترسله ولا بعدد الأصفار في الحسابات البنكية ولا بالمدن التي تعمل فيها ولا بالألقاب التي تسبق باسمك. النجاح الحقيقي يقاس بمن ينتظرك عندما تعود إلى البيت وبمن لا يزال حيا لتحتضنه وبالفرصة التي تمنح لك لتصلح ما يمكن إصلاحه قبل فوات الأوان.
لأنك إن عدت متأخرا جدا
قد لا تجد سوى بيت فارغ
وصور معلقة على الجدران
وصمت أثقل من أي كلمات
وندم لا يجدي
وحقيقة قاسېة لا يمكن إصلاحها مهما حاولت.

تم نسخ الرابط