جوزي حبيبي
جوزي حبيبي دخل الشقة وهو بيتبسم عشان يطمن على جدي، ومكنش يعرف إن جدي أصلاً كان مجبرني أستخبى تحت ترابيزة المطبخ. قعدت في الضلمة وأنا بسمعه وهو بيعترف بالسبب المقرف اللي خلاه يتجوزني من 12 سنة، وهو بيطالب بعقد ملكية الشقة.. الحقيقة المرة دي هدت جوازي في دقائق، بس حركة جدي الأخيرة كانت هتخليه يتحاصر تماماً...
الطرقة كانت ريحتها قهوة قديمة، ونعناع، والسينابون اللي جوزي جابه في علبة كرتون بيضا كأنه أحن راجل في مصر الجديدة. نور العصر كان معدي من شيش مطبخ جدي وعامل خطوط دهبية رفيعة على البلاط الساقع تحت ركبي. كان عندي أربعين سنة، ومحشورة تحت نفس الترابيزة الخشب اللي كنت بعمل تحتها بيوت بالبطاطين وأنا عيلة صغيرة، وبحاول مطلعش نفس عشان جوزي مسمعنيش.
جدي فاروق مكنش بيطلب مني أستخبى.
ده كان بيأمرني.
سامية، همس في ودني أول ما دخلت شقته، وإيده قفشت على معصمي على المطبخ.. تحت الترابيزة، ومش عايز أسمعلك صوت.
افتكرت السن بدأ يخوفه. كان عنده أربعة وسبعين سنة، ولسه ذكي كفاية إنه يفتكر مين عليه خمسة جنيه من سنة 1986، بس وشّه كان قالب أبيض كفن أول ما شافني على الباب. بعدها سمعت درج بيتفتح.. وحاجة بتعمل تكة.. وخطوات شبشبه رجعت تاني ناحية الباب.
جرس الباب رن.
ووائل دخل وهو بيتبسم.
فاروق بيه، مساء الخير، جوزي قالها بنبرة دافية زي قهوة العزا، وبحذر زي راجل بيمضي عقود جبتلك السينابون اللي بتحبه.
بقالي اتناشر سنة، والصوت ده كان هو أماني في الدنيا. هو اللي قالي إن دمي محبوب لما مۏت أمي كان لسه كابس على نفسي زي الحجر. هو اللي وعدني إن ليا بيت. كان بيضحك ضحكة واطية في العزومات لما بترعش، وبعدها يطبطب على ضهري ويقولي إنه بس بيحاول يخليني أتكلم بثقة قدام الناس.
تحت الترابيزة، وضهري ساند على الحيطة وإيدي كاتمة بوقي، سمعت أخيراً الصوت ده بيبقى عامل إزاي وهو فاكر إني مش في الأوضة.
في الأول، عاش الدور.. الزوج اللي الكل بيثق فيه. الضغط.. الدوا.. الأسانسير البايظ.. الماتش.. مصاريف الصيانة في عمارة جدي القديمة.
بعدها نبرة صوته اتقلبت وبقت باردة ومفيهاش روح.
عارف يا عم فاروق.. أنا بقلق عليك هنا.
صوت جدي فضل هادي أنا عايش هنا من سنة 1984.
ما هي دي المشكلة. شقة واسعة، وعمارة قديمة، ومصاريفها كتير. سامية مابتفهمش في الحاجات دي.. بتفكر بقلبها وعواطفها، وأنا بحاول أفكر بالعقل والمنطق.
زوري اتقفل لدرجة الۏجع. ياما سمعت جمل شبه دي في العربية، في المطاعم، وجنب أكياس الخضار في مطبخنا. سامية مابتفهمش.. سامية بتقلق زيادة عن اللزوم.. سامية عاطفية.
جدي معلاش صوته.
سامية شاطرة في الحسابات يا وائل، وبتفهم كويس جداً.
وائل ضحك ضحكة قصيرة. مفيهاش أي دفا.. والوش الحقيقي ظهر.
دي شغالة في الفواتير.. ده مش معناه إنها بتفهم في الأصول والفلوس الكبيرة.. فيه فرق.
كرسي اتهز على الأرض.. وورق خشخش.
شفت طرف دوسيه كريمي، نضيف وغالي، من النوع اللي يخلي الواحد يتعدل في قعدته وهو بيترمي على الأرض. جوزي مكنش جاي بالسينابون.. ده كان جاي ومعه عقود التنازل.
وائل قال الشقة لازم تتنقل باسمنا قبل ما أي حاجة تحصل. تتنازل لنا عنها، وأنا أديرها، وسامية تفضل مستورة ومحدش فينا يتبهدل في المحاكم والمصالح الحكومية بعد عمر طويل.
جدي ساب السكوت ياخد وقته.
بعدها سأله وأنت مستعجل على إيه؟
وائل اتنهد بزهق كأن جدي بيصعّب الأمور، كأن الراجل العجوز اللي رباني بعد ما أبويا اختفى بقا مجرد عقبة بينه وبين حاجة من حقه.
قال عشان بقالي