رحلة الامانة في قلب الزمن
رحلة الأمانة في قلب الزمن
في قرية قديمة تقع بين سفوح الجبال وتحيط بها مزارع الشعير وحقول الزيتون كانت تعيش أسرة صغيرة مكونة من رجل يدعى خالد وزوجته الهادئة اللطيفة مريم وقد عرفهما أهل القرية بصفاء القلب واللسان اللين والنية الطيبة وبأنهما من أكثر الأزواج محبة ووئاما إذ لم يكن يمر يوم إلا وتسمع جيرانهم ضحكات خفيفة تخرج من بيتهما الصغير المبني من الطين والمغطى بسقف من القصب والخشب وكان خالد يعمل نجارا بسيطا يصنع الأبواب والنوافذ والمقاعد الخشبية بينما كانت مريم تساعده أحيانا في تنعيم الخشب أو تلميع القطع الصغيرة وكانت سعيدة بذلك لأنها كانت ترى أن كل ما يفعله زوجها هو جزء من حياتهما المشتركة
مرت الأيام وتبدلت المواسم وحمل الله مريم حملا لطالما دعا به الزوجان طويلا فقد انتظرا هذا المولود سنوات طويلة حتى كادت مريم تفقد الأمل ولكن الله إذا أراد أمرا هيأ له الأسباب وجعل من المستحيل طريقا مفتوحا وفي الشهر الأخير من الحمل ازدادت مشاعر الخۏف والرهبة داخل قلب خالد فقد كان يخشى على زوجته أشد الخشية لكنه كان يحاول أن يظهر لها القوة والطمأنينة وكان يقول لها دائما يا مريم لست وحدك فإن الله أقرب إلينا من أنفاسنا وهو الذي وهب وهو الذي يحفظ وقد ابتسمت مريم إحدى الليالي وقالت له يا خالد إنني لا أخشى شيئا ما دمت بجانبي وما دام الله معنا ولكنها كانت تشعر بآلام متقطعة تشير إلى اقتراب موعد الولادة
وفي صباح يوم من أيام الصيف جاء رجل من القرية يطلب من خالد أن يذهب معه على عجل إلى المدينة المجاورة ليشهد معه بيع قطعة أرض في المحكمة إذ لم يكن هناك غيره ممن يثق بهم الرجل في كتابة العقود والشهادة وكان هذا الأمر لا يحتمل التأجيل فقد كان اليوم هو آخر موعد لإثبات البيع وإلا ضاعت حقوق الرجل نهائيا ولم يجد بدا من أن يطلب من خالد مرافقته وفي البداية تردد خالد ترددا شديدا إذ أن مريم كانت في أيامها الأخيرة ولم يكن يرغب في الابتعاد عنها ولو ساعة واحدة لكنه لم يشأ أن يخذل الرجل الذي لجأ إليه كما شعر أن الله ربما قد وضعه في هذا الموقف لخير لا يراه الآن فقالت له مريم حين رأت اضطرابه يا خالد اذهب لحاجة الرجل فربما كان لك فيها خير لا تدركه الآن سأكون بخير فلا تقلق علي ولعل الله ييسر أموري قبل عودتك أو بعدها المهم ألا يكون في قلبك خوف علي فأنا في حفظ الله وحمايته
نظر خالد إلى بطنها الذي برز بشكل واضح ووضع يده عليه بكل حنان ثم قال بصوت امتزج بلهفة وخوف يا رب إني أستودعك هذه الروح