رحلة الامانة في قلب الزمن
حول نادر وسأله أحدهم يا نادر ما سر هذه القوة في قلبك وكيف استطعت أن تتحمل فقدان أمك وأنت ما زلت طفلا فقال نادر بصوت هادئ إنني لم أعش فقدا يا عم إنني عشت مع أب جعل كل يوم في حياتي مليئا بالحب والصبر لم أشعر يوما أنني وحيد وكان دائما يقول لي إن الله لا يضيع وديعة استودعه إياها فإذا كان الله قد حفظني وأنا طفل صغير ضعيف فلن يتركني وأنا رجل قادر على أن أكون جزءا من الخير في حياة الناس
مرت الأيام وتزوج نادر وأنجب أطفالا وكان حريصا جدا على تربيتهم بالمعنى نفسه الذي تربى عليه فكان يضع يده على رؤوسهم كل ليلة ويقول اللهم إني أستودعك هؤلاء فإنك خير الحافظين وكانوا ينامون على صوته الهادئ وكأنهم يشعرون بالأمان الذي زرعه أبوه في قلبه وأصبح الآن يزرعه هو في قلوبهم
كبر خالد واشټعل رأسه شيبا وصار لا يستطيع أن يعمل كما كان يعمل من قبل لكن ابنه نادر لم يسمح له بأن يشعر بالضعف بل كان يلازمه في كل خطوة ويوفر له أسباب الراحة ويجلس معه كل مساء يتحدثان عن الماضي ويتذكران مريم وكانت ذكراها تمنحهما قوة غريبة وكأنها لا تزال موجودة في ذلك البيت
وذات يوم قال خالد لابنه يا نادر إن العمر يمضي سريعا يا بني وأحيانا أشعر أنني على وشك الرحيل فلا تحزن إذا جاء يوم لا تجدني فيه في هذا البيت فقد عشت راضيا وسعيت أن أؤدي الأمانة التي تركتها أمك لي وإنني أسأل الله أن يحفظك وأن يحفظ أبناءك كما حفظك صغيرا فاقترب نادر منه وقال يا أبي إن رحيلك هو الشيء الوحيد الذي لا أملك احتمال التفكير فيه وأنت بالنسبة لي الجبل الذي استند عليه فقال خالد يا بني إن الإنسان ينبغي ألا يتعلق إلا بالله وإن أحببتني فاجعل حبك لله أولا فهو الذي أعطاك إياي وهو القادر على أن يجمعنا في دار لا فراق فيها
وبعد سنوات قليلة رحل خالد بسلام في ليلة هادئة وكان نادر هو الذي غسل جسده وكفنه ودفنه بيدين ترتجفان وقلب يعتصره الألم لكنه قال وهو ينظر إلى السماء يا رب لقد استودعتني أبي كما استودعت أمي من قبل فاحفظ روحه واجعله في أعلى الجنان كما جعلته نورا في حياتي كلها
وعاد نادر إلى بيته تلك الليلة وجلس وحيدا يفكر في كل ما مر عليه في حياته ثم كتب على ورقة صغيرة وضعها قرب فراشه يا من تقرأ الحكمة اعلم أن الودائع التي تستودعها الله لا تضيع وأن الدعاء الصادق هو باب من أبواب النجاة وأن النية الطيبة قد تغير مسار حياة كاملة كما غيرت حياتي كلها وهذا ما يجب أن
يعيه كل قلب
وهكذا بقيت قصة نادر وأبيه خالد وأمه مريم تتناقلها الأجيال في القرية وأصبحت مثالا على قوة الدعاء وعلى أن الله لا يترك عباده إذا صدقوا في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم وصارت تروى للأطفال ليلا ويستيقظون على نورها في الصباح لأنها قصة كتبت بدموع رجل وصبر أم ورحمة رب
أيها القارئ الكريم إذا وصلت إلى نهاية هذه الحكاية فاعلم أن ما جعلها طويلة ليس كثرة الكلمات بل عمق معنى الأمانة التي كانت فيها فالأمانة ليست شيئا يحمل في اليد بل في القلب والدعاء ليس كلمات بل عهد بين العبد وربه والصبر قوة لا يعرفها إلا من جرب الفقد وشعر بثقل الحياة على كتفيه هذه القصة ليست مجرد حكاية بل رسالة إليك أن تتمسك بمن تحب وأن تدعو لله بصدق فإن الله لا يضيع دعاك لو بعد حين وإن رأيت في هذه الحكاية ما يمس قلبك فشاركها مع غيرك فربما كانت سبب هداية أو تذكرة لأحدهم