ساعدت راجل عجوز

موقع أيام نيوز

فين يا حاج؟ يا رب تكون مرتاح.
في يوم وهي في الغيط، سمعت ستين بيتكلموا عند البير.
واحدة قالت بيقولوا العجوز ده مكنش مجرد شحات، كان فيه حاجة غريبة، كأنه حد مهم.
التانية ضحكت مهم؟ ده مكنش حيلته صندل في رجله.
أمينة مثلت إنها مش مهتمة بس قلبها دق جامد. الجملة دي فضلت ترن في ودنها. معقولة؟
الليلة دي حلمت بالعجوز. كان واقف وطويل ولابس أبيض ومبتسم. مقالش حاجة بس بص لها. لما صحيت كانت لسه حاسة بنظرته، نفس النظرة اللي شافتها آخر ليلة مطر. حست إنها رسالة، كأنه ممشيش بجد، كأنه مستني اللحظة الصح عشان يرجع.
الأيام جرت والقرية حالها فضل زي ما هو. من غير العجوز، عالم أمينة صغر.. بيت، غيط، عيال، سكت. بس جواها كان فيه حاجة بتكبر. قوة هادية تشبه الإيمان. مش الإيمان اللي بيتقال بالكلام، بس الإيمان اللي بيتولد لما كل حاجة تضيع والقلب لسه عنده أمل.
وفي يوم وهي بتغسل هدوم على النهر، سمعت صوت كأنه جاي من جواها متعيطيش على اللي ربنا خباه شوية.
بصت حواليها ملقتش حد. ابتسمت. يمكن ده الهوا، يمكن دي ذكرى. بس حست إنها أخف.
والوقت عدى. وضحك أهل القرية هدي. والفضول نشف. وغياب العجوز بقى مجرد قصة بتتحكي في الوشوشات.
بس عند أمينة، الفراغ ده فضل صاحي، بينبض في صدرها زي الشوق.
مكنتش تعرف إن القدر بيجهز للمقابلة الجاية.. المقابلة اللي هتحول ضحكهم لسكوت وندم. لأن فيه غياب مبيبقاش وداع.. بيبقى استراحة محارب.
وبتاع الحطب، اللي سموه نكرة، كان على وشك يرجع.. مش كذكرى، لكن كحقيقة هتهز البلد كلها.
كان يوم سوق، والقرية كانت زحمة وصوت الناس مالي المكان. ستات بتبيع درة ورجالة بيفاصلوا في تمن المعيز. الشمس كانت حامية والڼار مأكلة الجو. وكل حاجة كانت ماشية عادي.
لحد ما سمعوا صوت جاي من بعيد. صوت طبول.
دقات تقيلة وهادية ومنتظمة. الطبول دايما معناها حاجة كبيرة ضيوف، حفلة، أو مۏت حد مهم. بس الإيقاع ده كان ليه هيبة تانية، هيبة بتخلي الأرض تترعش.
في دقايق، القرية كلها وقفت. الرجالة سكتوا، الستات نزلوا مقاطفهم، والعيال وقفوا مكانهم.
ومن الطريق الشمالي، بدأت غبرة تطلع. وواحدة واحدة ظهر موكب رجالة لابسين توب أبيض، حراس معاهم رماح دهب، وفي النص هودج متغطي بقماش أبيض غالي.
ولما قربوا، واحد من الحراس زعق بصوت قوي كبير البلاد وصل!
وشوشات انتشرت في كل حتة. محدش كان يعرف إن الحاكم القديم ماټ، ولا إن فيه حد جديد اتعين. الكل جرى على الساحة الكبيرة بفضول.
الموكب وقف تحت الشجرة المقدسة اللي بيتقال عندها كل الأخبار المهمة.
وبعدين ستارة الهودج اتفتحت، والسكوت اللي حصل كان رهيب، لدرجة إن الهوا نفسه كان مسموع.
نزل منه راجل لابس توب أبيض وساند على عكاز خشب منحوت. الوش كان معروف، بس الرفعة بتاعة الراس، والوقفة المظبوطة، والنظرة اللي كلها هيبة خلته ميتعرفش.
كان هو.
بتاع الحطب.
نفس الراجل اللي كان بيجرجر حزم الخشب في التراب، اللي اتريقوا عليه وقالوا شحات وعالة.
بس دلوقتي، قدامهم كلهم، واقف بهيبة ملك.
شعره لسه أبيض بس نضيف ومتسرح. جلده اللي كان متغطي تراب بقى بيلمع تحت الشمس. وفي رقبته عقد من خرز دهب.
همهمة بدأت تعلو ده بتاع الحطب!.. ازاي ده حصل؟.. ده كان شحات!.. لأ ده الحاكم الجديد!
أمينة كانت واقفة في طرف الساحة وابنها ماسك إيدها. لما شافته قلبها كان هيوقف، وجسمها كله ساب.
ابنها سألها يا ماما، مش ده جدو بتاع
الحطب؟
هزت راسها وهي مش قادرة تنطق.
الزمن كأنه وقف.
العجوز بص حواليه، كان بيراجع وشوش

تم نسخ الرابط