ساعدت راجل عجوز

موقع أيام نيوز

الناس اللي استحقروه زمان. فيه اللي وّطى عينه، وفيه اللي مثل إنه متفاجئ. محدش جرأ يقرب.
إلا أمينة اللي فضلت واقفة مكانها ودموعها نازلة من سكات.
رفع العكاز بتاعه واتكلم. صوته كان هو هو، بس بقى أقوى وأثبت وكله سلطة يا أهل القرية دي، أنا النهاردة رجعت مش شحات، أنا رجعت الحاكم بتاعكم. عشت وسطكم في صمت، لابس وش الفقر، عشان أشوف بعيني مين اللي لسه شايل رحمة في قلبه.
رعشة مشيت في الكل. الكل بص للتاني وهو بيفتكر إزاي ضحكوا عليه، وإزاي رفضوا يساعدوه، وإزاي ادوله ضهرهم.
كمل العجوز كلامه شوفت ناس كتير بتتريق، وناس كتير بتبعد. بس كمان شوفت ست قسمت القليل اللي حيلتها معايا، وهي مش مستنية حاجة في المقابل.
الكلام كان واضح هو يقصد مين.
كل الرؤوس لفت ناحية أمينة، اللي رجعت خطوة لورا وهي مخضۏضة ومكسوفة.
قال العجوز الست دي مش بس شالت معايا حطب، دي شالت قدر القرية دي كلها. والنهاردة، اللي كان مستحقر زمان، هيترفع شأنه قدام الكل.
محدش نطق كلمة. فيه اللي عيط، وفيه اللي دارى وشه. باكو، جوزها، كان واقف وسط الناس وراسه في الأرض وقلبه تقيل من الخزي.
العجوز بص لأمينة مباشرة، ولحظة كأنهم لوحدهم في العالم يا أمينة، إنتي شيلتي أكتر من حطب في اليوم ده. إنتي شيلتي أمانة، والنهاردة ربنا بيرد لك حقك.
الكل سكت. الطبول سكتت. وقلب أمينة كان بيدق زي الطبل. كلام العجوز كان كأنه جاي من السما.
لف العجوز للناس وقال بصوت زي الرعد السلطة الحقيقية مش في الغنى ولا القوة. السلطة في الخير. واللي بيعرف يعمل خير والدنيا قاسېة عليه، هو اللي يستحق يحكم القلوب.
القرية كلها وطت راسها قدام الحقيقة.
بتاع الحطب رجع، بس كرسول للعدل. وحركة أمينة البسيطة اللي اتريقوا عليها، بقت هي اللي منورة الأرض اللي شافت ذلها زمان.
الشمس كانت في نص السما، والحرارة كانت بتلمع في ساحة القرية والعجوز قرب من الشجرة المقدسة. الناس كانوا لسه في صدمة وبيتفرجوا في صمت. الطبول وقفت، والهوا وهو بيحرك الشجر كان كأنه بيهمس بحقايق قديمة.
رفع العجوز عكازه واتكلم بصوت ثابت وواضح بقالي سنين عايش وسطكم من غير ما أقول أنا مين. مشيت حافي في نفس طرقكم، دقت ترابكم، وعطشت زيكم. عملت كده عشان أشوف بعيني اللي الذهب والسلطة مبيورهوش قلب الناس اللي هيورثوا الأرض دي.
الناس بصوا لبعض، فيه اللي وطى راسه من الكسوف، وفيه اللي مثل الفضول عشان يداري ذنبه.
كمل العجوز شوفت فقر وغنى، كبر ورحمة. واكتشفت إن الفقر الحقيقي مش في قلة الأكل، الفقر هو غياب الحنية.
سكت لحظة، والسكوت اللي حصل كان مهيب.
وبعدين لف نظره لأمينة.
وسط الزحمة دي كلها اللي ادتني ضهرها، ست واحدة بس هي اللي شافتني. لما وقعت على الطريق وقفت. لما الجوع هزني قسمت عيش ابنها معايا. لما الكل ضحك عليا مدت إيدها. مش عشان مصلحة ولا خوف، عشان هي طيبة.
وشوشة انتشرت في الساحة. الستات وشوشوا، والرجالة هزوا راسهم وهما بيحاولوا يداروا خيبتهم. أما أمينة ففضلت مكانها، مش مصدقة إن الكلام ده عليها. ابنها كوفي كان باصص للعجوز وعينيه واسعة وماسك في جيبة أمه.
العجوز مشي بالراحة ناحيتها، وعكازه بيخبط في الأرض بإيقاع موزون.
قالها يا بنتي، فاكرة العيش اللي رفضتيه لما عرضته عليكي؟ الحركة دي ورتني إن الغنى مش باللي معاك، الغنى باللي إنت مستعد تديه لغيرك.
وطت راسها ودموعها نزلت
بلت الأرض.
ردت بصوت بيترعش أنا بس عملت اللي أي حد قلبه طيب يعمله.
ابتسم العجوز
تم نسخ الرابط